يبقى بيت الله الحرام مكاناً تتنزل فيه الرحمات، وتُسكب عنده العبرات، وتُجاب فيه الدعوات بإذن الله، وعلى مر العصور شهد المسجد الحرام مواقف مؤثرة غيرت حياة أناس وأعادت قلوبا إلى الله وأظهرت معاني التوبة والإنابة والخشوع.
من قاطع طريق إلى إمام من أئمة الإسلام - من أشهر القصص المؤثرة المرتبطة بالحرم المكي قصة الإمام الجليل الفضيل بن عياض كان في شبابه يقطع الطريق على الناس، ثم أراد يوماً أن يتسلق جدارا للوصول إلى امرأة تعلق بها، فسمع قارئاً يتلو قول الله تعالى " أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ " سورة الحديد ، فارتجف قلبه وقال : بلى والله " قد آن "، فكانت تلك الآية سببا في توبته ثم جاور مكة المكرمة، وأصبح من كبار العباد والعلماء حتى صار الناس يأتون إليه ليتعلموا منه الزهد والخشية " العبرة " قد تغير آية واحدة حياة إنسان إذا وافقت قلبًا صادقًا.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أشد الناس هيبة وقوة، ومع ذلك كان إذا وقف أمام الكعبة بكى من خشية الله، وروي أنه كان يطوف بالبيت ويقرأ القرآن، فإذا مر بآية عذاب بكى حتى يسمع نشيجه من بعيد وكان يقول لو نادى منادٍ يوم القيامة : إن الناس كلهم في الجنة إلا رجلا واحدًا، لخشيت أن أكون أنا هو، هذا هو حال المؤمن الصادق؛ يجمع بين العمل الصالح والخوف من التقصير.
طاف رجل بالكعبة وهو يحمل أمه العجوز على ظهره، ثم رأى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال : يا ابن عمر، أتراني جزيتها أي : هل وفيتها حقها ؟ فقال ابن عمر لا، ولا بزفرة واحدة من زفرات الولادة فبكى الرجل
العبرة : مهما فعل الأبناء فلن يستطيعوا رد فضل الوالدين كاملًا قال تعالى " وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا " سورة الاسراء.
يحكي كثير من الصالحين أن بعض الناس كانوا يدخلون الحرم مثقلين بالذنوب، ثم يقفون أمام الكعبة لأول مرة فتسيل دموعهم بلا إرادة وربما رفع أحدهم يديه وقال يا رب، جئتُك كما أنا، فلا تردني، فتكون تلك اللحظة بداية حياة جديدة، فيترك معصية لازمته سنوات طويلة وهذا يذكرنا بقول الله تعالى " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ " سورة الزمر.
من المشاهد التي تتكرر في الحرم أن يأتي بعض كبار السن وقد ادخروا العمر كله ليقفوا أمام الكعبة، ومن القصص المؤثرة أن شيخاً ظل يدعو الله سنوات أن يرزقه رؤية البيت الحرام، فلما وصل إليه وجلس ينظر إلى الكعبة طويلاً وهو يبكي ويقول اللهم قد أكرمتني برؤية بيتك، فلا تحرمني من رؤية وجهك الكريم في الجنة، فما هي إلا أيام قليلة حتى توفي في مكة نسأل الله حسن الخاتمة لنا وللمسلمين.
من أعظم المواقف التي شهدها البيت الحرام يوم دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً دخل النبي صلى الله عليه وسلم مطأطئاً رأسه تواضعًا لله، مع أنه انتصر على من آذوه وحاربوه وأخرجوه من بلده ثم جمع أهل مكة وقال لهم ما تظنون أني فاعل بكم ؟
قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اذهبوا فأنتم الطلقاء "، فكان يومًا عظيمًا تجلت فيه الرحمة والعفو والتسامح.