داخل الروضة الشريفة تتجلى تفاصيل روحانية وتاريخية عظيمة، ومن بين أبرز معالمها تلك الأسطوانات المباركة التي ارتبطت بمواقف وأحداث خالدة من سيرة النبي صلي الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
ولكل أسطوانة داخل الروضة الشريفة قصة ومعنى، تحمل بين جنباتها عبق النبوة وأثر الأيام الأولى للإسلام، مما يجعل التعرف عليها رحلة إيمانية ثرية بالمحبة والتأمل.
وفي هذا المقال نستعرض أشهر أسطوانات الروضة الشريفة، وأسمائها، وما ورد عنها من دلالات تاريخية وروحانية مميزة.
وسميت أيضا اسطوانة القٌرعة والمهاجرين فقد كانوا يجتمعون عندها وتقع في وسط الروضة الشريفة، وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم مكانها مصلى بعد تحويل القبلة مدة ثم تحول إلى مصلاه وكان أفاضل الصحابة والتابعين يفضلون الجلوس عندها.
وسبب تسميتها بأسطوانة عائشة رضي الله عنها أن بعضاً من الصحابة رضي الله عنهم كانوا جلوساً عند عائشة رضي الله عنها ومعهم ابن أختها التابعي الفقيه عروة بن الزبير فقالت عائشة رضي الله عنها : إن في المسجد أسطوانة لو عرفها الناس لاستهموا على الصلاة عندها بالأسهم فسألوها عنها فأبت أن تعينها لهم ثم بعد قيامهم أسرَّت ابن الزبير بشيء ثم قام واتجه إلى هذه الأسطوانة وصلى عندها وكان بعض أولئك الصحابة يرقب ماذا سيفعل فلما صلى عندها جاءوا وصلوا في مكانه فسُميت هذه الأسطوانة بعد ذلك اسطوانة عائشة رضى الله عنها كما هو مكتوب الآن في أعلاها.
هي الأسطوانة التي ربط فيها الصحابي الجليل " أبو لبابة " الأنصاري رضي الله عنه نفسه وظل فيها أسيراً وقال : والله لا أفك هذا الأسر عن نفسي حتى يتوب الله عليَّ ويحلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده.
وقصة أبي لبابة هذه سببها أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عندما حاصر اليهود بني قريظة بعد غدرهم بعهده وانضمامهم إلى معسكر الأحزاب وطال عليهم الحصار وامتلأت قلوبهم من الرعب وضاقت الأرض بهم وجهلوا النكاية التي سوف تحل بهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم أبا لبابة رضي الله عنه لأنه كان حليفاً لهم قبل الإسلام لكي يتفاوض معهم فلما جاء إليهم أرسلوا الصبيان في وجهه يجأرون وصاحت نساؤهم مستعطفة لرحمته ثم حاولوا استغلال عاطفته فقالوا له: ماذا ترى؟ أننزل حكم محمد؟ فقال لهم: إن نزلتم على حكم محمد (وأشار بيده إلى حلقه) يعني سوف يذبحكم. فقال أبو لبابة فوالله ما تحركت قدماي حتى علمت أني خُنْت ورسوله فلم يعد إلي الرسول صلى الله عليه وسلم بل ذهب مسرعاً إلى المسجد النبوي وربط نفسه في هذه الأسطوانة، فلما سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أما إنه لو جائني لاستغفرت له " وبعد انتهاء حصار بني قريظة عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولا يزال أبو لبابة مستأسراً في ساريته فتأتيه بنته وتطلقه للصلاة وقضاء الحاجة ثم تعيده إلى أسره، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أما إذ فعل بنفسه ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه "، فلما أنزل الله توبته على النبي صلى الله عليه وسلم وهو فيبيت أم سلمة رضي الله عنها، تقول أم سلمة : لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السَّحَر يضحك، فقلت : مم تضحك يا رسول الله أضحك الله سنك ؟ قال : " تيب على أبي لبابة "، فقالت أم سلمة : ألا أبشره يا رسول الله ؟ قال : بلى إن شئت فقامت على باب حجرتها " والحجاب لم يضرب بعد " وقالت : يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك، وهذا يعني أن دارها كان بابها مفتوحاً على المسجد فلما سمع الناس التوبة على أبي لبابة ثاروا إليه ليطلقوه من أسره، فقال : لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده فلما مر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر أطلقه من الأسر .
وهذه الأسطوانة مكتوب عليها حتى الآن " أسطوانة أبي لبابة" وتعرف بالتوبة.
وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي أكثر نوافله عند أسطوانة التوبة وتقع عن يمين حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ضمن أسطوانات الروضة الشريفة.
وهي موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعد تحويل القبلة، وسُمّيت بالمخلقة لأنهم كانوا يطيّبونها بالعطر والخلوق " والخلوق نوع من الطيب كان معروف عند العرب قديمًا، وغالبًا يكون لونه مائلا للصفرة أو الحمرة، ومكون من الزعفران والعطور " وروى يزيد بن عبيد أنه كان يجيء مع سلمة بن الأكوع إلى سبحة الضحى " أي صلاة الضحى " فيعمد سلمة إلى مكان الأسطوانة المخلقة ويصلي عندها سبحة الضحى ، فقال له يزيد : ألا تصلي في مكان آخر من المسجد ؟ فقال له سلمة : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى هذا المقام، وهذا الحديث مروي في الصحيحين وفي صحيح البخاري عن يزيد بن عبيد : " كنت آتي مع سلمة بن الأكوع رضي الله عنه فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف - أي المخلقة - فقلت: يا أبا سلمة أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة، فقال: فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها "، وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع أنه كان يتحرى موضع المصحف يسبح فيه وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى ذلك، فرضي الله عن سلمة وجميع الصحب الكرام، فإن استطعت أيها المسلم أن تتحرى بصلاتك ونوافلك المكان الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة فيه فافعل، ولكن احذر من أن تضر أحداً من الجالسين والقاصدين من الفضل مثلما تقصد حتى لا يتسبب ذلك في إحباط عملك، وهذه الأسطوانة اليوم يرتكز عليها المحراب النبوي الشريف ومكتوب في أعلاها " الأسطوانة المخلقة " وسبب تسميتها بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عليها نخامة فساءه ذلك فقام أحد الصحابة وحك النخامة وطيب مكانها بطيب يسمى الخلوق فسر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك واعتبر هذا أول تطييب للمسجد النبوي الشريف.
وهي الأسطوانة التي تقع في مكان اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم وكان يوضع له عندها سرير وكان هذا السرير من جريد النخل وفيه السعف، وتقع هذه الأسطوانة شرقي أسطوانة التوبة وليس بينها أسطوانة أخرى وهي اليوم ملاصقة لشباك الحجرة الشريفة، وأول من عمل حظيراً على الحجرة الشريفة السلطان قايتباي، وعندها كان النبي صلى الله عليه وسلم يُقْرِعُ بين نسائه، ومن مكان اعتكافه عليه الصلاة والسلام هذا كان يعطي رأسه لعائشة رضي الله عنها وهي في داخل باب حجرتها لتسرحه وترجله كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس عندها لاستقبال الوفود القادمة إليه وتعرف اسطوانة الوفود وتعرف بمجلس القلادة عندها كان الرسول عليه اطيب الصلاة والسلام يستقبل وفود العرب وعندها كان جلوس صحابة الحبيب عليه اطيب الصلاة والسلام ورضى عنهم جميعاً وكان الحبيب عليه اطيب الصلاة وازكى السلام يجلس عندها لاستقبال وفود العرب القادمة اليه لتبايعه على الاسلام.
وكانت تسمى أيضاً أسطوانة علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأنه كان يجلس عندها حارساً للنبي صلى الله عليه وسلم فلما نزل عليه قوله تعالى فترك الحراس حينئذ لرسول الله " وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ".