هناك أماكن يزورها الإنسان ثم يعود كما كان،وأماكن يمر بها فلا تترك داخله أثرًا، لكن مكة ليست كذلك أبدًا مكة ليست مجرد مدينة، وليست مجرد مكان على الخريطة.
مكة نداء قديم يسكن الروح ، كلما ابتعد الإنسان عنها شعر أن شيئًا منه ما زال هناك، كم من شخص ذهب إليها وهو يظن أنه يسافر بجسده فقط، فاكتشف أن قلبه هو الذي كان يبحث عنها طوال العمر.
أعظم ما يميز مكة أن الله سبحانه هو الذي اصطفاها وشرفها قال الله تعالى " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ " سورة آل عمران، هذا ليس مكانًا عاديًا هذا أول بيت عُبد الله فيه على الأرض وفيها قال الله " وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا " سورة آل عمران، حتى القلب القلق يشعر هناك بشيء من الطمأنينة لا يعرف له تفسيرًا ويتعجب الإنسان من حاله.
الكعبة ليست مجرد بناء، بل رمز التوحيد، القبلة التي تتجه إليها الأمة كلها خمس مرات كل يوم
تخيّل أنت طوال عمرك تصلي تجاه مكان لم تره،ثم فجأة تقف أمامه لأول مرة
كثير من الناس يبكون عند أول نظرة للكعبة، ليس لأن شكلها مبهر، بل لأن الأرواح أحيانًا تتعب من البعد عن الأماكن التي تحبها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب مكة حبًا عظيمًا، حتى إنه عندما خرج منها قال " والله إنكِ لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت " هذا ليس حب وطن فقط، بل حب مكان عظّمه الله وكرمه الله.
في مكة نزل الوحي، ومنها انطلقت رسالة الإسلام إلى العالم في جبالها كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء، وفي طرقاتها مشى الصحابة، وفيها نزل جبريل بالقرآن كل حجر هناك يذكرك بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم حين تمشي في مكة تشعر أن التاريخ ليس قصة تُقرأ، بل أثر يُعاش.
بعض الناس يذهبون إلى مكة وهم محملون بالذنوب والهموم، ثم يعودون وكأن شيئًا انكسر داخلهم لكن انكسارًا جميلًا يعيد القلب إلى الله قال النبي صلى الله عليه وسلم " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " متفق عليه. ولهذا يشتاق الناس إليها لأنهم شعروا هناك بالقرب من الله أكثر من أي مكان آخر.
هناك عبادات يمكن أن تصفها بالكلمات لكن الطواف لا يُوصف أن تدور حول بيت الله وسط آلاف البشر، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين مشهور ومجهول، الكل يردد " لبيك اللهم لبيك "، تشعر وقتها أن الدنيا كلها صغيرة، وأن الإنسان مهما هرب سيعود في النهاية إلى الله قال تعالى " وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ " سورة الحج.
كم من دعوة خرجت من قلب مكسور عند الكعبة فاستجابها الله وكم من شخص دخلها ضائعًا فعاد مطمئنًا هناك دموع في مكة لا تشبه أي دموع، لأن الإنسان يشعر أنه قريب جدًا من الله، ولهذا كان بعض السلف إذا عادوا من مكة ظل قلبهم متعلقًا بها.
قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام " فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ " سورة إبراهيم، " تهوي إليهم " أي تميل وتشتاق وتنجذب وكأن اشتياق الناس لمكة دعوة نبي استجابها الله عبر القرون لهذا ترى من ذهب مرة يتمنى العودة ألف مرة،ومن لم يذهب بعد يشعر بشوق إليها رغم أنه لم يرها.
بعض الناس يظنون أن الذهاب إلى مكة مجرد سفر، لكن الحقيقة أن الأرواح هناك تشعر أنها عادت إلى أصلها ولهذا بعد الرجوع منها، يبقى شيء داخل القلب يقول متى أعود ؟ ليس لأن الفنادق جميلة، ولا لأن المكان مريح، بل لأن القلوب إذا ذاقت القرب من الله اشتاقت إليه دائمًا.
اللهم ارزقنا زيارة بيتك الحرام، وارزق قلوبنا خشوع الطائفين، ودموع التائبين،
ولذة النظر إلى الكعبة، ولا تجعل بيننا وبين بيتك حاجزًا من ذنب أو غفلة.
اللهم اكتب لنا حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا،
وأعدنا إلى مكة مراتٍ كثيرة ونحن أقرب إليك.