هناك أماكن إذا وقفت فيها شعرت أن التاريخ ما زال حيًا ومن أعظم هذه الأماكن جبل النور، وفي قمته يوجد غار حراء، المكان الذي شهد بداية أعظم رسالة عرفتها البشرية في هذا الجبل كان النبي صلى الله عليه وسلم يبتعد عن ضجيج الدنيا، وعن أصنام قريش، وعن فساد الأرض ليختلي بنفسه، ويتأمل في خلق الله، حتى جاء اليوم الذي نزل فيه جبريل عليه السلام بأول آيات القرآن الكريم.
يقع جبل النور شمال شرق المسجد الحرام في مكة المكرمة، ويبعد حوالي 4 كيلومترات عن الحرم. ويبلغ ارتفاعه نحو 642 مترًا، وشكله يشبه سنام الجمل، ولذلك يميزه أهل مكة بسهولة بين الجبال وسمي " جبل النور " لأن نور النبوة خرج منه إلى الدنيا كلها.
قبل البعثة، كان قلب النبي صلى الله عليه وسلم يرفض ما يراه من عبادة الأصنام والظلم والفساد، فحبب الله إليه الخلوة والابتعاد عن الناس قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها " حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه " رواه البخاري كان النبي صلى الله عليه وسلم يصعد الجبل وحده، يحمل زاده وماءه، ويبقى الليالي الطويلة يتعبد لله ويتأمل في ملكوت السماوات والأرض.
ليل مكة الهادئ وجبل مرتفع بعيد عن الناس ورجل صادق طاهر القلب ينظر إلى السماء، يبحث عن الحق حتى جاءت اللحظة التي غيّرت تاريخ البشرية كلها أول نزول للوحي في ليلة مباركة من ليالي رمضان، بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم داخل غار حراء، نزل عليه جبريل عليه السلام وقال له
اقرأ
فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ فأخذه جبريل وضمه، ثم قال مرة أخرى اقرأ باسم ربك الذي خلق
فنزلت أول آيات القرآن الكريم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ "
ومن هذا الغار الصغير خرج النور الذي أضاء الأرض كلها.
شكل غار حراء من الداخل
غار حراء ليس مكانًا واسعًا كما يتخيل البعض هو فجوة صغيرة في أعلى الجبل، لا تتسع إلا لأربعة أو خمسة أشخاص تقريبًا بابه يتجه ناحية الشمال، ومن داخله يمكن رؤية جهة الكعبة المشرفة، ورغم صغر حجمه إلا أن أعظم حدث في تاريخ الإسلام بدأ من هذا المكان الضيق وكأن الله يعلمنا أن النور العظيم قد يخرج من مكان بسيط جدًا لكن عندما يختاره الله يصبح أعظم من الدنيا كلها.
الطريق إلى الغار متعب، وفيه درجات وصعود شديد، وقد يستغرق من 45 دقيقة إلى ساعات بحسب قدرة الشخص لكن كثيرًا ممن يصعدون الجبل يشعرون أن التعب يختفي عندما يقتربون من الغار لأنك لا تصعد جبلًا فقط أنت تصعد إلى مكان وقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه مكان نزل فيه جبريل مكان بدأت فيه " اقرأ " هناك تشعر أن السيرة ليست مجرد كلمات في كتاب بل حقيقة عاشها النبي صلى الله عليه وسلم بين الصخور والليل والدعاء والخلوة.
الخلوة بالله تصنع الإنسان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحمل رسالة الأمة كان يختلي بالله أحيانًا القلب يحتاج أن يبتعد قليلًا عن ضوضاء الدنيا حتى يسمع نفسه
غار صغير في جبل بعيد لكن خرج منه القرآن الذي غيّر العالم فلا تحتقر البدايات الصغيرة
" اقرأ " أول كلمة نزلت من السماء لم تكن قاتل ولا اجمع المال ولا احكم الناس بل كانت" اقرأ " إشارة إلى أن هذه الأمة أمة علم ونور وهداية.
لأن المكان ليس مجرد جبل بل هو شاهد على لحظة اتصال السماء بالأرض، كل حجر فيه يذكرك ببداية الوحي، وبالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يرتجف بعد نزول جبريل ويقول " زملوني زملوني " فتشعر أن السيرة أمامك حية وليست قصة بعيدة.
وتدبر جيداً
في أعلى جبل النور داخل غار صغير جلس النبي صلى الله عليه وسلم يومًا وحيدًا
لم يكن معه جيش ولا مال ولا أتباع لكن كان معه قلب صادق يبحث عن الله فأنزل الله عليه نورًا غيّر الدنيا إلى يوم القيامة
ولهذا كل من يزور غار حراء لا يعود كما كان لأنك هناك لا ترى مجرد جبل بل ترى بداية النور .
اللهم ارزقنا زيارة بيتك الحرام، وارزق قلوبنا خشوع الطائفين، ودموع التائبين،
ولذة النظر إلى الكعبة، ولا تجعل بيننا وبين بيتك حاجزًا من ذنب أو غفلة.
اللهم اكتب لنا حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا،
وأعدنا إلى مكة مراتٍ كثيرة ونحن أقرب إليك.